قالت منظمة "هيومن رايتس ووتش" اليوم، إن السلطات المصرية تمنع الرعاية الصحية عن سجين محكوم بالإعدام من الظاهر أن لديه ورمًا دماغًيا، بعد إخفائه قسرًا وإخضاعه لمحاكمة جائرة.

 

واُعتقِل أحمد الوليد الشال في 2014 بعد فترة وجيزة من تخرجه من كلية الطب في سن 24 عامًا. وأُدين في محاكمة جماعية بتهمة الضلوع المزعوم في هجوم مسّلح وحُكم عليه بالإعدام بعد اعترافات قال للنيابة ولأسرته إنها انتُزعت منه تحت التعذيب، بمايشمل الاغتصاب. 

 

وقالت أسرته إنه محتجز منذ أكثر من عقد في ظروف مزرية وحُرم من الرعاية الطبية المناسبة لما يُفترض أنها كتلة في دماغه. في الأشهر الأخيرة، تدهورت أعراضه بشكل حاد. 

 

التقاعس عن توفير الرعاية الطبية اللازمة

 

وقال عمرو مجدي، باحث أول في قسم الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في "هيومن رايتس ووتش": "تسببت السلطات المصرية بمعاناة هائلة لأحمد الوليد الشال وأسرته بتقاعسها عن توفير الرعاية الطبية اللازمة له رغم ما يُفترض أنه ورم في الدماغ. السماح للشال بإجراء جراحة فورية والإفراج عنه أو نقله لأسباب طبية، نظرا إلى حرمانه من الرعاية الطبية الكافية لسنوات، سيكون خطوة نحو العدالة طال انتظارها". 

 

وأُدين الشال في قضية قتل عبد الله المتولي، حارس أحد القضاة الذين حاكموا الرئيس السابق محمد مرسي بعد عزله في 2013، في 28 فبراير 2014. ردّ "قطاع الأمن الوطني" باعتقالات جماعية، فاحتجز نحو 20 شخصا زُعم أنهم أعضاء في "جماعة الإخوان المسلمين". 

 

وقالت نسيلة هارون، والدة الشال، لـ هيومن رايتس ووتش إن السلطات اعتقلته في 6 مارس 2014 أمام جامعته وأخفته قسرًا، متجاهلة الاستفسارات عن مكانه.

 

وفي 12 مارس، نشرت وزارة الداخلية بيانا بشأن 11 رجلاً اعتُقلوا في هذه القضية، وفيديو يظهر ثلاثة منهم، بينهم الشال، وهم يعترفون بارتكاب جرائم. قالت والدته إن النيابة العامة لم تُبلغ الأسرة بمكان الشال إلا بعد أسابيع.

 

ووجهت السلطات تهمًا تتعلق بالإرهاب إلى 23 رجلاً، بينهم الشال، وطفل عمره 17 عاًما، بزعم إطلاق النار على المتولي وقتله في مدينة المنصورة. في 7 سبتمبر 2015، أدانت محكمة جنائية وحكمت على تسعة رجال، بينهم الشال، بالإعدام بعد محاكمة جماعية شابتها عيوب.في يونيو 2017، أيدت محكمة النقض أحكام الإعدام بحق ستة منهم، بينهم الشال. استنادًا إلى وثائق قضائية راجعتها هيومن رايتس ووتش، بُرئ في النهاية أربعة من أصل 24.

 

آثار تعذيب وحشية 

 

وقالت هارون إن الأسرة عندما زارت الشال أخيرًا في سجن العقرب سيئ الصيت بعد عدة أسابيع من اعتقاله الأول، كانت على رقبته جروح تتسق مع حروق سجائر "مرتبة بأشكال هندسية". قالت إنه أخبرها هي وآخرين من الأسرة أنه، أثناء إخفائه، عذبه عناصر أمن في موقعين تابعين للأمن الوطني في المنصورة والقاهرة تعذيبًا شديدًا، شمل الصعق بالكهرباء والحرق بالسجائر وتعليقه من ساقيه وإدخال عصا خشبية في شرجه، لإجباره على الاعتراف.

 

وأشارت إلى أن عناصر الأمن أخبروه أنهم سيعتقلونها ويغتصبونها إذا رفض توقيع الاعترافات، وهددوه بمزيد من التعذيب إذا غيّر أقواله أمام النيابة. رغم آثار التعذيب الظاهرة عليه، تجاهلت النيابة طلب الشال عرضه على الطب الشرعي، بحسب سجلات قضائية راجعتها هيومن رايتس ووتش. استشهدت مذكرة دفاع راجعتها هيومن رايتس ووتش بطبيب فحص الشال عند وصوله إلى السجن قال إنلا شيء ينفي احتمال أن تكون جروحه قد حدثت بالطريقة التي وصفها للنيابة.

 

وأكدت أسرة الشال أنه استُهدف بسبب نشاطه السلمي. وقالت والدته إنه شارك في احتجاجات مناهضة للحكومة عقب الانقلاب العسكري في 2013 وهو يحمل صور شقيقه خالد، وهو طبيب بيطري قتلته الشرطة أثناء الفض العنيف لاعتصام رابعة الجماهيري في أغسطس 2013.

 

وأوضحت أن الشال أمضى عدة سنوات في ظروف مزرية في سجن وادي النطرون، داخل زنزانة مساحتها 1.5 بـ 2.5 متر مع ثلاثة سجناء آخرين، يتناوبون النوم على الأرض. قالت إن الحراس كانوا يسمحون لهم باستخدام مرحاض خارج الزنزانة مرة واحدة يوميًا.

 

وذكرت هارون أنه بين 2002 و2005، خضع الشال لجراحتين لإزالة ورم حميد في الدماغ. راجعت هيومن رايتس ووتش وثائق طبية داعمة. قالت إن صحته تدهورت أثناء وجوده في السجن، فواجه صعوبات في التوازن، واضطرابا حركيا في يده اليمنى، وصداًعا، ودواًرا، وازدواجًا في الرؤية. قالت هارون إنه طيلة سنوات، لم يوفر له أطباء السجن الرعاية الطبية المناسبة.

 

ووفقًا لها، فإنه بعد شكاوى متعددة، أُخذ إلى مستشفى حكومي في 2023، حيث أبلغه جرّاح أعصاب، بعد إجراء تصوير بالرنين المغناطيسي، بوجود كتلة في دماغه، قائلا إنه يحتاج إلى جراحة عاجلة. بدلاً من ذلك، أعاد الضباط الشال إلى السجن، بحسب هارون.

 

تدهور حالته داخل المركز الطبي بسجن وادي النطرون

 

وبعد شكاوى أخرى عدة إلى مجلس الوزراء ومكتب النائب العام ووزارة الداخلية، قالت هارون إن الإدارة نقلت الشال إلى المركز الطبي في مجمع سجون وادي النطرون في 2023، حيث لا يزال منذ ذلك الحين. وبعد تدهور حالته، ذكرت أن مستشفى السجن أجرى صورة أخرى للدماغ في 2026، لكن طبيبًا رفض إبلاغه بالنتائج وقال له إنه لا يعاني من "أي شيء" وإن أعراضه "نفسية".

 

مع ذلك، قالت هارون إن مصدرًا مطلعًا أبلغ الأسرة أن التصوير أظهر أن الكتلة الدماغية تضاعف حجمها. ولم تسمح إدارة السجن للأسرة قط بالاطلاع على سجلاته الطبية، وأوضحت والدته أن أحد حراس السجن أبلغ الأسرة بشكل غير رسمي أن الأمن الوطني وحده يستطيع السماح له بالخضوع للجراحة.

 

وحثت "هيومن رايتس ووتش" السلطات على أن توفر للشال رعاية طبية كافية وفورية، بما يشمل الإفراج عنه من الاحتجاز لأسباب طبية إنسانية، أو نقله إلى منشأة طبية مجهزة ومؤهلة لتوفير الرعاية الكافية. كما ينبغي للسلطات أن تضمن له إعادة محاكمة عادلة.

 

وقالت "لجنة العدالة"، وهي مجموعة مستقلة، في تقرير إن وثائق النيابة وروايات المتهمين أظهرت أن سبعة متهمين آخرين على الأقل في القضية أُخفوا لفترات وصلت إلى ثلاثة أشهر. وقالت إن الوثائق تُظهر أيضا أن جميع المحكوم عليهم بالإعدام تراجعوا عن اعترافاتهم في المحكمة وأبلغوا النيابة أنهم تعرضوا لتعذيب شديد. أحالت النيابة بعضهم فقط إلى الطب الشرعي، بعد تأخيرات كبيرة.

 

وأفادت مجموعات حقوقية، أن كثيرًا من المتهمين لم يكن لديهم محامونحاضرين أثناء الاستجواب. ولم تجد مراجعة هيومن رايتس ووتش لوثائق النيابة أي سجل لتفتيش أي من الأماكن التي سُميت كمواقع احتجاز سرية أو العناصر الذين حُددت هوياتهم في ادعاءات التعذيب. أظهرت وثائق المحكمة أن القضاة استندوا في قراراتهم أساسًا إلى رواية غير مدعومة بأدلة، بل ومتناقضة، للأمن الوطني رغم غياب الأدلة المؤيدة.

 

وأدان "مكتب مفوض الأمم المتحدة السامي لحقوق الإنسان"، وآليات الأمم المتحدة المستقلة، و"اللجنة الأفريقية لحقوق الإنسان والشعوب" مرارًا أحكام الإعدام الجماعية غير القانونية في مصر. 

 

وأعرب عدة خبراء أمميين وفرق عاملة أممية عن "قلق بالغ" إزاء أحكام الإعدام بحق الشال والمتهمين معه بسبب مخاوف تتعلق بالإجراءات القانونية الواجبة والمحاكمة العادلة، وقالوا إن تنفيذها سيشكل "إعدامات تعسفية".

 

وشددت المنظمة على أنه على السلطات أن تلتزم بواجبات مصر، بما فيها تلك الناشئة عن "اتفاقية مناهضة التعذيب وغيره من ضروب المعاملة أو العقوبة القاسية أو اللاإنسانية أو المهينة"، وأن تحقق في التعذيب وسوء المعاملة المزعومين للشال والمتهمين معه. 

 

وتعارض "هيومن رايتس ووتش" عقوبة الإعدام في جميع البلدان وفي جميع الظروف، إذ تنفرد بقسوتها ونهائيتها ويشوبها حتما وفي كل مكان التعسف والتحيز والخطأ.

 

وقال مجدي: "إعدام رجل بعد اعترافات شابها التعذيب وسنوات من حرمانه من الرعاية الطبية سيكون ظلمًا فادحاً. العفو الطبي للشال وإعادة المحاكمة العادلة للمتهمين معه سيكونان خطوة إيجابية على طريق مصر الطويل لإصلاح نظامها القضائي المعطوب".